القرآن الكريمموقعناالرئيسيةبحـثالتسجيلدخولكورة بربيح

شاطر | 
 

 المد الإسلامي عبر التاريخ (2)

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Admin
القائد العام
القائد العام
avatar

تاريخ التسجيل : 29/08/2008
الاقامة : الجزائر
الجنس : ذكر
المشاركات : 2981
السٌّمعَة : 4

مُساهمةموضوع: المد الإسلامي عبر التاريخ (2)   الجمعة سبتمبر 07, 2012 9:39 pm


انتهى بنا الحديث في الحلقة السابقة عند خشية زعماء المشركين من تعرف الناس خارج مكة على دعوة الإسلام أثناء موسم الحج ، واجتماعهم لبحث السبل التي يحولون بها بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين الاحتكاك بأفواج الحجيج ، لكنه صلى الله عليه وسلم لم يعبأ بما فعلوا ، وانطلق متوكلا على ربه يطوف بين القبائل العربية التي نزلت في المشاعر المقدسة ـ لأداء مناسك الحج ـ ويتبع الناس في منازلهم بالأسواق (عُكَاظ ومَجَنَّة وذى المَجَاز) يدعوهم إلى الله ، ويقول لهم متوددا: "اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ".


ويمشي وراء الناس في الطرقات ، وينادي "قولوا لا إله إلا الله تفلحوا " وأبو جهل أو أبو لهب يسير خلفه يسفّ عليه التّراب، ويقول: لا يغرّنّكم هذا عن دينكم، فإنّما يريد أن تتركوا عبادة اللات والعزّى (1)..


وذُكر أيضا أنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان ينادي بأعلى صوته : أيها الناس ! قولوا : لا إله إلا الله ، وأبولهب يتبعه يرميه بالحجارة حتى أدمى كعبيه وعرقوبيه ويقول : يا أيها الناس ! لا تطيعوه فإنه كذاب ! (2).


وليتخيل معي القارئ هذا المشهد الذي ترسمه هذا الكلمات ؛ ليعرف الجهد الذي بذله رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في جذب الناس إلى الفلاح والنجاح ، إلى رضوان الله سبحانه ، وكيف يكون حال البشرية لو اتبع الدعاة الآن هذا الأسلوب في دعوتهم ، وانطلقوا داعين إلى الله بتلك الحمية .


لذلك لم ينته موسم الحج حتى وصل أمر دعوته إلى مسامع كثير من العرب الذين تناقلوها إلى أنحاء الجزيرة العربية ، وانتشر ذكره كما يقول ابن إسحاق في بلاد العرب ‏، ولم تفلح جهود معانديه في الحيلولة دون ذلك ، بل جاءت مع بعض الأفراد بعكس ما أرادوا.


فهذا " الطفيل بن عمرو الدوسي " يذكر أنه لما قدم مكة مشى إليه رجال من مشركي قريش فقالوا: يا طفيل ! إنك قدمت بلادنا ، وهذا الرجل ( يقصدون رسول الله ) بين أظهرنا قد أعضل بنا ، وفرق جماعتنا ، وإن قوله كالسحر ، يفرق بين الرجل وبين أبيه، وبين الرجل وبين أخيه ، وبينه وبين زوجه، وإنما نخشى عليك وعلى قومك ، فلا تكلمه ولا تسمع منه.


يقول الطفيل : فواللّه ما زالوا بي حتى أجمعت أن لا أسمع منه شيئا ، ولا أكلمه حتى حشوت أذني كُرْسفُاً ـ أي قطنا ـ فرقا ( خوفا ) أن يبلغني من قوله ، وأنا أريد أن لا أسمعه، فغدوت إلى المسجد الحرام ، فإذا رسول اللّه ـ صلى اللّه عليه وسلم ـ قائم يصلي عند الكعبة، فقمت قريباً منه ، فأبى اللّه إلا أن يسمعني قوله، فسمعت كلاماً حسناً ، فقلت في نفسي : وا ثكل أمي ! واللّه إني لرجل شاعر لبيب ! ما يخفى عليّ الحسن من القبيح ، فما يمنعني أن أسمع من هذا الرجل ما يقول؟ إن كان الذي يأتي حسنا قبلته ، وإن كان قبيحاً تركته.


ثم يقول : فمكثت حتى انصرف رسول اللّه ـ صلى اللّه عليه وسلم ـ إلى بيته ، فأتبعته حتى إذا دخل بيته دخلت عليه ، فقلت : يا محمد ، إن قومك قالوا لي كذا وكذا ، ثم إن اللّه أبى إلا أن أسمع قولك ، فسمعت قولاً حسناً ، فأعرض عليّ أمرك، فعرض عليّ الإسلام ، وتلا عليّ القرآن ، فواللّه ما سمعت قولاً قط أحسن منه ! ولا أمرا أعدل منه ! فأسلمت (3)


وإسلام مثل هذه الشخصيات قد غاظ الملأ من قريش ، وزاد من هذا الغضب أن القرآن بدأ يشتد في نقاشهم ، ويقدم الأدلة والبراهين على بطلان معتقداتهم ، وزيف آلهتهم .


فعادوا إلى أبي طالب مرة ثانية وقالوا له : يا أبا طالب إنَّ لك سِنّاً وشرفاً ومنزِلة فينا ، وإنّا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنّا، وإنّا والله لا نصبر على هذا حتى تكفّه عنا أو ننازله وإيّاك في ذلك ( نقاتلكم )حتى يهلِك أحد الفريقين.


فبعث إليه من يحضره ، فلما جاءه قال: يا ابن أخي! ..أبقِ عليَّ وعلى نفسك ، ولا تُحمِّلْني من الأمر ما لا أُطيق ، فظنّ رسول الله -صلّى الله عليه وسلَّم- أنه خاذِله ومُسلِمه، وأنه قد ضعُف عن نصرته والقيام معه ، فقال: "يا عم ! والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك فيهِ ما تَرَكْتُهُ " ثم بكى صلّى الله عليه وسلَّم ليس خوفا ، وإنما حسرة على هؤلاء ، ثم قام منصرفا، فلما ولّى ناداه أبو طالب فقال: أقبِل يا ابن أخي فقل ما أحببت ، فوالله لا أُسلمك لشيء أبداً (4).


وذُكر أيضا : أنه - صلّى الله عليه وسلَّم- قال لهم وقد حلّق ببصره إلى السّماء : أما تَرَوْنَ هذه الشّمس ؟ قالوا: نعم، قال: مَا أَنا بأقْدَرَ على أن أدعَ ذلكَ مِنكُم على أَنْ تَسشْعِلوا مِنها شُعْلَةً، فقال أبو طالب: ما كذبنا ابن أخي قطّ فارجعوا.


فالنبي الذي يصطفيه الله ، ويكلفه بتيليغ دعوته ، ليس مخيرا في هذا الأمر ، فيقبله أو يدعه ، وإنما هو إلزام من الله تعالى ، وسيؤدي ما عليه رضي الناس أم أبوا ، سالموه أو عادوه ، ولا راد لقضاء الله ...


أما زعماء المشركين فقد انصرفوا ثم عادوا إلى أبي طالب مرة ثالثة بحيلة أخرى ، حيث أحضروا معهم فتى يسمى "عُمارَة بن الوليد بن المغيرة " فقالوا له: يا أبا طالب! قد جئناك بفتى قريش جمالاً ونسباً ، فخذه فلك نصره وعَقْله وميراثه، واتخذه ولداً فهو لك، وأسلِم إلينا ابن أخيك هذا الذي قد خالف دينك، ودين آبائك .. فنقتله ، فإن ذلك أجمع للعشيرة وأفضل في عواقب الأمور مَغَبَّة ، وإنما هو رجل برجل ، ولم يجد أبو طالب ردا لهذا الطلب المضحك سوى قوله : والله ما أنصفتموني، أتعطونني ابنكم أغذوه ( أطعمه وأسقيه ) لكم، وأعطيكم ابني تقتلونه؟! هذا والله لا يكون أبداً (5)


وأمام هذا التصميم من رسول الله صلى الله عليه وسلم على تبليغ رسالة الله ، وإصرار إبي طالب على عدم التخلي عنه وعن نصرته لجأ ملأ قريش من المشركين إلى أساليب أشد حدة لمواجهة دعوة الإسلام ، ومنع انتشاره بين الناس ، وتمثلت تلك المواجهات في :


1ـ أسلوب السخرية والاستهزاء وإشاعة الأكاذيب عن رسول الله ، والافتراء عليه بما يجعل الناس تنفر منه ، وقد أكثروا من ذلك ، وتفننوا فيه بحيث لا يبقى لعامة الناس مجال للتدبر في دعوته والتفكير فيها ، فكانوا يقولون عن القرآن‏:‏ " أضغاث أحلام "‏ يراها محمد بالليل ويتلوها بالنهار، ويقولون‏ :‏ ‏"‏بَلِ افْتَرَاهُ‏"‏ من عند نفسه ويقولون‏:‏ ‏"‏إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ‏"‏ وقالوا‏:‏ ‏"‏إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ‏" أي اشترك هو وزملاؤه في اختلاقه‏.‏ ‏"‏ورد الله عليهم أن " أْتُوا بعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ".


وهذا الأسلوب كان يحزن رسول صلى الله عليه وسلم ، إنه رجل يتعب ليلا ونهارا ، وأجهد نفسه من أجل هدايتهم إلى ما فيه سعادة الدنيا والآخرة يكون هذا جزاؤه منهم.


لكن الله طمأنه بأن هذا قد حصل مع الأنبياء السابقين ، فقال تعالى : "‏وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُواْ مِنْهُم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِؤُونَ‏‏ " (6). وقال تعالى : "ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا" ثم كفاه الله مئونة الرد عليهم ، وقال له سبحانه وتعالى : "إنا كفيناك المستهزئين" (7).


2ـ أسلوب الإغراء بالمال : فقد جاء في كتب السيرة أن عتبة بن ربيعة لما رأى أصحاب النبي يزدادون كل يوم كثرة قال: يا معشر قريش ألا أقوم إلى محمد فأكلمه وأعرض عليه أموراً ؛ لعله يقبل بعضها فنعطيه أيها شاء ، ويكف عنا ؟ فقالوا: بلى يا أبا الوليد ، فقم إليه فكلمه، فقام إليه عُتبة حتى جلس إلى رسول اللّه ، فقال: يا ابن أخي إنك منا حيث قد علمت من الشرف في العشيرة والمكان في النسب ، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم ..، فاسمع مني أعرض عليك أموراً تنظر فيها ؛ لعلك تقبل منا بعضها ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: قل يا أبا الوليد أسمع.


قال : يا ابن أخي إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً ، وإن كنت تريد به شرفاً سوّدناك علينا حتى لا نقطع أمراً دونك ، وإن كنت تريد ملكا ملكناك علينا ..، فلما فرغ عتبة من عروضه قال له صلى الله عليه وسلم : أقد فرغت يا أبا الوليد؟ قال : نعم ، قال : فاسمع مني. ثم قرأ عليه قول الله تعالى : "بِسْمِ اللّه الرَّحَمَنِ الرَّحِيمِ. حَم تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ بَشِيراً وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أكْثَرُهُمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ " ثم مضى رسول اللّه فيها يقرؤها عليه ، فلما سمعها عتبة منه أنصت لها ، وألقى يديه خلف ظهره ، متعمداً عليهما يستمع منه ، ثم انتهى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى السجدة منها فسجد ، ثم قال : قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت فأنت وذاك .


ولما أكثر الجدال معه قال : يا أبا الوليد : ما جئت بما جئتكم به أطلب أموالكم ، ولا الشرف فيكم ، ولا الملك عليكم ، ولكن الله بعثني فيكم رسولا ، وأنزل عليّ كتابا ، وأمرني أن أكون بشيرا ونذيرا ، فبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ، فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة ، وإن تردوه عليّ أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم .


فقام عتية إلى أصحابه ، ولما رآه بعضهم من بعيد قالوا : نحلف والله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به ، فلما جلس قالوا: ما وراءك ؟ قال : ورائي أنّي سمعت قولاً، والله ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالشّعر ولا بالسّحر ولا بالكهانة، يا معشر قريش أطيعوني، واجعلوها بي ، خلّوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه ، فوالله ليكوننّ لقوله نبأ ، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب ، فملكه ملككم ، وعزّه عزّكم ، وكنتم أسعد النّاس به ..


ولو كان في الناس بقية عقل لسلموا بما قاله عتبة ، ولكن العناد غلبهم فجعلوا يقولون: سحرك والله محمد بلسانه ، فقال لهم : هذا رأيي فيه ، فاصنعوا ما بدا لكم (8)


3ـ أسلوب التعجيز : بمعنى أنهم بدءوا يسألونه أشياء فوق قدرة البشر ، فقالوا له : يا محمد إن كنت غير قابل منا شيئا مما عرضناه عليك فإنك قد علمت أنه ليس من الناس أحد أضيق بلداً ، ولا أقل ماء ، ولا أشد عيشا منا ، فسل لنا ربك الذي بعثك بما بعثك به فليسير عنا هذه الجبال التي ضيقت علينا ، وليبسط لنا بلادنا ، وليخرق لنا فيها أنهارا كأنهار الشام والعراق ، وليبعث لنا من مضى من آبائنا ..


وليكن فيمن يبعث لنا منهم قصي بن كلاب (وهو من أجداد رسول اللّه) فإنه كان شيخ صدق ، فنسألهم عما تقول أحق هو أم باطل؟ فإن صدقوك وصنعت ما سألناك صدقناك ، وعرفنا منزلتك من اللّه، وأنه بعثك رسولا كما تقول.


فقال لهم : ما بهذا بعثت إليكم ، إنما جئتكم من اللّه بما بعثني به ، وقد بلغتكم ما أرسلت به ، فإن تقبلوا فهو حظكم في الدنيا والآخرة ، وأن تردوه علي أصبر لأمر اللّه حتى يحكم اللّه بيني وبينكم.


قالوا : فإذا لم تفعل هذا لنا فسل ربك أن يبعث معك ملكا يصدقك بما تقول ، ويراجعنا عنك ، وسله فليجعل لك جنانا وقصورا وكنوزاً من ذهب وفضة ، يغنيك بها عما نراك تبتغي، فإنك تقوم بالأسواق ، وتلتمس المعاش كما نلتمسه ، حتى نعرف فضلك ومنزلتك من ربك ، إن كنت رسولا كما تزعم (9)


ولو كان هؤلاء يسألونه الآيات أو المعجزات لتطمئن بها قلوبهم ؛ لاستجاب لهم في ذلك ، ولكنهم قصدوا تعجيزه ، بدليل أن أحدهم قال : " فواللّه لا أؤمن بك أبداً حتى تتخذ في السماء سلماً ، ثم ترقى فيه وأنا أنظر حتى تأتيها ، ثم تأتي معك بصك معه أربعة من الملائكة ، يشهدون لك أنك كما تقول ، وايم اللّه لو فعلت ذلك ما ظننت أني أصدقك " وبالفعل فإن رسول الله لما رُقي إلى السماء ليلة الإسراء والمعراج ، وآتاهم بالبينات لم يزدادوا إلا نفورا .


فهذه سنة متبعة على مدار التاريخ ، يسأل المعاندون عن الآيات ، فإذا جاءت لا يؤمنون بها ، فقديما قال فرعون لموسى عله السلام " إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآَيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ " فكانت آيته أن" أَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاء لِلنَّاظِرِينَ " فردوا عليه " إِنَّ هَـذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ " (10)


لذلك كان جوابه صلى الله عليه وسلم " ما أنا بفاعل ، وما أنا بالذي يسأل ربه هذا ، وما بعثت إليكم بهذا، ولكن اللّه بعثني بشيراً ونذيراً ، فإن تقبلوا ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرّ ، وإن تردوه علي أصبر لأمر اللّه حتى يحكم اللّه بيني وبينكم " (11)


4ـ أسلوب التعذيب والاضطهاد : وذلك أنهم لما فشلوا في أساليبهم السابقة اتفقوا فيما بينهم على أن يؤذوا ويعذبوا من تبعه بكل ما يستطيعون ؛ ليصرفوا الناس عنه ، فوثبت كل قبيلة على من فيها من المسلمين ، فجعلوا يحبسونهم ، ويعذبونهم بالضرب والجوع والعطش ، ويسحبونهم على الصخر إذا اشتد الحر ، يفتنونهم عن دينهم ، فمنهم من يُفتن من شدة البلاء الذي يصيبه ، ومنهم من يصلب ( يقوى ويشتد ) لهم ، ويعصمه الله منهم ‏‏.‏


وكان أبو جهل إذا سمع بالرجل قد أسلم ، له شرف ومنعة ، أنَّبه وأخزاه ‏‏، وقال ‏‏:‏‏ تركت دين أبيك وهو خير منك ، لنسفهن حلمك ، ولَنُفيِّلَنّ رأيك ، ولنضعن شرفك ؛ وإن كان تاجرا قال ‏‏:‏‏ والله لنُكسدنّ تجارتك ، ولنهلكن مالك ؛ وإن كان ضعيفا ضربه وأغرى به ، وجروا عليهم ويلات تقشعر منها الجلود، وأخذوهم بنقمات تتفطر لسماعها القلوب.


يقول عبد الله بن عباس ‏ : إن كانوا ليضربون أحدهم ويجُيعونه ويعطشونه حتى ما يقدر أن يستوي جالسا من شدة الضر الذي نزل به ، حتى يعطيهم ما سألوه من الفتنة ، حتى يقولوا له : آللات والعزى إلهك من دون الله ؟ فيقول : نعم ، حتى إن الجُعَل ليمر بهم ، فيقولون له : أهذا الجعل إلهك من دون الله ؟ فيقول : نعم ، افتداء منهم مما يبلغون من جهده (12)


ولم يقف أثرياء المسلمين مكتوفي الأيدي أمام هؤلاء ، والإسلام يأمر بالتكافل ، وإنما سعوا في شراء هؤلاء العبيد المعذبين وتحريرهم ، وعلى رأس هؤلاء أبو بكر الصديق الذي اشترى سبعة من ماله الخاص ، وأعتقهم لوجه الله تعالى (13).


ومن العجب أن هؤلاء المستضعفين المعذبين لم ينسوا القيم والفضائل التي رباهم عليها محمد صلى الله عليه ، وامتلأت قلوبهم بالعطف حتى على من يعذبهم ، فقد مر أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ يوما بامرأتين منهما ، وقد بعثتهما سيدتهما بطحين لها ، وهي تقول ‏‏:‏‏ والله لا أعتقكما أبدا ، فقال لها :‏‏ حل يا أم فلان ؛ فقالت ‏‏:‏‏ حل ، أنت أفسدتهما فأعتقهما ؛ قال ‏‏:‏‏ فبكم هما ‏‏؟‏‏ قالت ‏‏:‏‏ بكذا وكذا ؛ فقال لها‏‏:‏‏ قد أخذتهما وهما حرتان ، ثم دفع ما طلبته المرأة من ثمن ، والتفت إلى الجاريتين وقال لهما : أرجعا إليها طحينها ، فإذا بهما تطلبان منه وتستسمحانه أن يمهلهما حتى يطحنا لها طحينها ، فقال : " وذلك إن شئتما ‏‏" (14).


ولا يدري الإنسان من أيّ يعجب ، أمن سرعة أبي بكر رضي الله عنه في تحرير الجاريتين ؟؟ أمن رقة قلبيهما حيث آثرتا إلا تتركا للمرأة طحينها وقد خرجتا من تحت عبوديتها ؟ أم من جهل البشرية الآن ـ بمن فيهم بعض المسلمين ـ بتلك النماذج الملائكية التي رباها رسول الله صلى الله عليه وسلم.


هذا ولم يقتصر التعذيب على هؤلاء الموالي أو العبيد ، وإنما طال كثيرا من المسلمين إلا من كان له عشيرة تحميه ، فها هو عثمان بن عفان كان له عم يلفه في حصير من ورق النخيل ، ثم يدخنه من تحته ، ومصعب بن عمير لما علمت أمه بإسلامه منعته الطعام والشراب ، وأخرجته من بيته ، وكان من أنعم الناس عيشًا، فتَخَشَّفَ جلده تخشف الحية ، وصهيب بن سنان الرومي كان يُعذَّب حتى يفقد وعيه ولا يدرى ما يقول‏.‏


‏هذه نماذج معدودة لما كان يلقاه المسلمون من الظلم والخسف والجور على أيدي طغاة المشركين ، الذين كانوا يزعمون أنهم أهل الله وسكان حرمه ، كما يزعم طغاة اليوم أنهم دعاة سلام وحماة لحقوق الإنسان، وهؤلاء الناس وغيرهم ممن يعذب من المؤمنين المستضعفين في كل عصر ما رفعوا سلاحا في وجه أحد ، وما أساءوا إلى أحد بقول أو فعل ، وكل ما فعلوه أنهم قالوا : "ربنا الله"‏.‏


هذا ولم يقتصر ترهيبهم على من أسلم فقط ، بل كانوا يبطشون حتى بمن حاول أن يستفسر عن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فهذا رجل من خارج مكة يقول : "جئت إلى مكة فسألت أين هذا الرجل الذي تدعونه الصابئ ؟ ... فمال أهل الوادي عليّ بكل مدَرَةٍ وعظم، حتى خررت مغشياً عليّ ، فارتفعت حين ارتفعت كأني نُصُب أحمر" (15)


وحتى رسول الله رغم حماية وحراسة عائلته له لم يسلم من أذاهم واعتداءاتهم ، فقد قال صلى الله عليه :" لقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد، وأُخفت في الله وما يخاف أحد ، ولقد أتت عليّ ثلاثون من بين يوم وليلة ، وما لي ولبلال ما يأكله ذو كبد؛ إلا ما يواري إبط بلال (16).


ورغم هذا البلاء استمر يدعو إلى الله تعالى ليلاً نهاراً، سراً وجهراً، لا يصرفه عن ذلك صارف، ولا يرده عن ذلك راد، ولا يصده عن ذلك صاد، يتبع الناس في أنديتهم ومجامعهم ومحافلهم، وفي المواسم ومواقف الحج، يدعو من لقيه من حر وعبد، وضعيف وقوي، وغني وفقير، جميع الخلق في ذلك عنده سواء ، ويوصي من يشكو إليه إيذاء المشركين له بالصبر.


يقول أحد أصحابه أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو متوسد ببردة( ملتف بعبايته) وهو في ظل الكعبة ، وقد لقينا من المشركين شدة ، فقلت: ألا تدعو الله؟ فقعد وهو محمر وجهه ، فقال : " لقد كان من كان قبلكم ليمشط بأمشاط الحديد ، ما دون عظامه من لحم أو عصب ؛ ما يصرفه ذلك عن دينه ، ويوضع المنشار على مفرق رأسه فيشق باثنتين ، ما يصرفه ذلك عن دينه ، وليُتمّنّ الله هذا الأمر ؛ حتى يسير الراكب من (صنعاء) إلى (حضر موت) ما يخاف إلا الله عز وجل والذئب على غنمه ، ولكنكم تستعجلون" (17).


وإلى اللقاء مع حلقة أخرى إن شاء الله


المصدر : موقع التاريخ


الهوامش :


(1) تاريخ الطبري : ج 1 ص 556


(2) السيرة لابن حبان : ج 1 صـ 69


(3) ابن كثير : البداية ج3 صـ 99


(4) ابن سيد الناس : عيون الأثر ج1 وابن كثير : السيرة النبوية ج1 ص 474


(6) ابن إسحاق : السيرة النبوية صـ 128


(7) سورة "الأنعام " : الآية 10


(8) ابن إسحاق : السيرة النبوية صـ 187


(9) ابن كثير : السيرة النبوية ج1 صـ 477 وما بعدها


(10) سورة "الأعراف " : الآيات 106 : 108


(11) ابن كثير : السيرة ج1 صـ 477


(12) ابن هشام : السيرة النبوية ج2 صـ 162


(13) المصدر السابق : ج2 صـ 160 وما بعدها


(14) المصدر السابق : ج2 صـ 160 وما بعدها


(15) الذهبي : تاريخ الإسلام ج1 ص140


(16) سنن الترمذي رقم 2472


(17)ابن كثير: البداية والنهاية



الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
المد الإسلامي عبر التاريخ (2)
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى بربيح :: ۞ منتديات الدين الاسلامي الحنيف ۞ :: التاريخ العالمي والإسلامي-
انتقل الى: